أبي حيان الأندلسي
685
تفسير النهر الماد من البحر المحيط
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ الآية لما بين تعالى عظيم قدرته في خلق السماوات والأرض بالحق وهي حالة لمبدأ العالم وفي مصيرهم إلى الجنة والنار وهي حالة الانتهاء أمر تعالى بتنزيهه من كل سوء في هذه الأوقات وقابل بالعشي الإمساء وبالإظهار الإصباح لأن كلا منهما يتعقب ما قابله فالعشى يتعقبه الإمساء والإصباح يتعقبه الإظهار ولما لم يتصرف من العشى فعل لا يقال أعشى كما يقال أمسى وأصبح وأظهر جاء التركيب وعشيا ولما ذكر الابداء والإعادة ناسب ذكر يخرج الحي من الميت وتقدما لكلام عليه . وَكَذلِكَ أي مثل ذلك الإخراج والمعنى تساوي الإبداء والإعادة في حقه تعالى ثم ذكر آيات من بدء خلق الإنسان آية آية إلى حين بعثه من القبر فقال : وَمِنْ آياتِهِ أن خلقكم من تراب جعل خلقهم من تراب حيث كان خلق أباهم آدم من تراب و تَنْتَشِرُونَ تتصرفون في أغراضكم وأسفاركم وإذا للمفاجأة ولما كان بين الخلق وبين الانتشار رتب آخر كان العطف بثم المقتضية المهلة والتراخي وبدأ أولا من الآيات بالنشأة الأولى وهي خلق الإنسان من التراب ثم كونه بشرا منتشرا وهو خلق حي من جماد ثم أتبعه بأن خلق له من نفسه زوجا وجعل بينهما توادا وذلك خلق حي من عضو حي وقال : لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لأن ذلك لا يدرك إلا بالفكر في تأليف بين شيئين لم يكن بينهما تعارف ثم أتبعه بما هو مشاهد للعالم كلهم وهو خلق السماوات والأرض واختلاف اللغات والألوان والاختلاف دائم بدوام الإنسان لا يفارق وقال : لِلْعالِمِينَ لأنها آية مكشوفة للعالم ثم أتبعه بالمنام والابتغاء وهما من الأمور المفارقة في بعض الأوقات بخلاف اختلاف الألسنة والألوان وقال : لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ لأنه لما كان من أفعال العباد قد يتوهم أنه لا يحتاج إلى مرشد فنبه على السماع وجعل البال من كلام المرشد ولما ذكر عرضيات الأنفس